محمود بن حمزة الكرماني
34
اسرار التكرار في القرآن
هذا الإعجاز نطاق البلاغة والفصاحة ، وتصحيح النظريات العلمية ، والتنبؤ بالمستقبل ، إلى نطاق السياسة والاجتماع والعلوم التجريبية كلها . ولو لم يكن القرآن معجزا لأهل عصره لكان قصاراه : أن يكون أسلوبا ممتازا يلقى فصحاء العرب إلى من جاء به بزمام التفوق والسلطان ، شأنه في ذلك شأن المعلقات السبع وأمثالها ، أما والرسول العظيم صلى اللّه عليه وسلم يأبى أن تكون الشمس في يمينه والقمر في يساره إلّا أن يظهر دين اللّه ، فالأمر إذن فوق جودة الأسلوب ، وفوق كل الاعتبارات ، ذلك هو : إذعان العرب عاجزين ، أو انقيادهم مختارين إلى تلك العظمة القرآنية التي تفوق مقاييس العظمة الأسلوبية المتعارفة آنذاك . لقد اشتبه الأمر على العرب ، فلم تكن في الرسالات السابقة معجزات باطنة في الكتب التي أنزلت على الرسل ، أي : لم تكن هناك معجزات من جنس الكلام ، بل كانت معجزات مادية منفصلة تماما عن الكتب السماوية ، وهذا الواقع هو الذي دفع العرب إلى أن يقولوا : ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ « 1 » وإلى أن يطلبوا منه أن يجعل لهم الصّفا ذهبا ، . . . وإلى أن يقولوا عن القرآن : هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ « 2 » حينما لم يهتدوا بعيدا عن معجزات المادة . وليس في تحدى اللّه لعباده انتقاصا من هيبة اللّه تعالى ، بل إن الإنسان الذي أحل نفسه مكان اللّه في الأرض كان وما يزال بعيدا عن الإذعان إلّا على وجه التحدي البياني ، ثم التحدي بالقوارع المدمرة ، على أن آيات القرآن مليئة بتحدى المخاطبين . ألم يقل اللّه تعالى لليهود : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً « 3 » ؟ ألم يقل لهم : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 4 » . . . قُلْ
--> ( 1 ) سورة ص : 7 . ( 2 ) سورة الأحقاف : 11 . ( 3 ) سورة الجمعة : 6 - 7 . ( 4 ) سورة آل عمران : 93 .